مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

312

تفسير مقتنيات الدرر

من عمله ، وكانوا يقولون له : يا نوح صرت نجّارا بعد النبوّة ؟ على طريق الاستهزاء . وقيل : إنّ استهزاءهم له بأن كانوا يقولون : لو كنت صادقا في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاقّ . أو أنّهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا السفينة إلَّا ينتفاع بها فيسخرون ويعدّون عمله سفها . ولمّا طالت مدّته مع القوم ، وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك المعنى خبرا غلب على ظنونهم كونه كاذبا في ذلك المقال . ثمّ إنّه سبحانه حكى عن نوح أنّه كان يقول : * ( [ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ] ) * أي إذا وقع الغرق والعذاب نحن نسخر منكم . فإن قيل : السخريّة من آثار المعاصي فكيف يليق بالأنبياء ؟ قلنا : سمّي المقابلة سخريّة كما في قوله : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » « 1 » . * ( [ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ] ) * أيّنا أحقّ بالسخريّة ، وتعلمون عاقبة سخريّتكم * ( [ مَنْ يَأْتِيه ِ عَذابٌ يُخْزِيه ِ ] ) * يفضحه في الدنيا وثبت عليه عذاب دائم في الآخرة ، القصّة . قال الحسن : كان طول السفينة ألف ذراع ومأتي ذراع وعرضها ستّمائة ذراع . وقيل : أقلّ . قال ابن عباس : كانت ثلاث طبقات : طبقة للناس وطبقة للأنعام والدوابّ وطبقة للوحش والهوامّ ، وجعل أسفلها للوحوش والسباع والهوامّ ، وأوسطها للدوابّ والأنعام ، وركب هو ومن معه في الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد ، وكانت من خشب الساج ، وقيل : من النخل . وبالجملة لمّا فرغ نوح من عمل السفينة وأراد اللَّه إهلاكهم ، روى عليّ بن إبراهيم بحذف الأسانيد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : لمّا أراد اللَّه إهلاك قوم نوح عقم أرحام النساء أربعين سنة فلم يولد لهم مولود ، وأمر اللَّه نوحا أن ينادي بالسريانيّة أن يجمع إليه جميع الحيوان ، فلم يبق حيوان إلَّا وقد حضر فأدخل من كلّ نوع من أنواع الحيوان زوجين ما خلا الفأر والسنّور . ثمّ لمّا شكوا القوم من سرقين الدوابّ دعا الخنزير ومسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج فأرة فتناسلوا ولمّا كثروا وشكوا إليه منها دعا بالأسد ومسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج سنّور .

--> ( 1 ) الشورى : 40 .